
تبدو المعلومات التي تؤكد نجاح القوات السعودية واليمنية، في تضييق الخناق على المتمردين الحوثيين، وإيصالهم إلى الرمق الأخير، على قدر كبير من المصداقية، فقد ظهر المتمردون الحوثيون خلال الأيام العشرة الماضية غير قادرين على إخفاء حاجتهم الملحة في إيقاف الحرب، باحثين وبشكل مفاجئ عن مخرج سلمي للأزمة، بدءا من إعلانهم الانسحاب من الأراضي السعودية ووقف القتال معها، وانتهاء بإعلانهم القبول بالشروط الخمسة التي أعلنتها الحكومة اليمنية قبيل اندلاع الحرب السادسة.
الأسبوع الماضي، وفي الوقت الذي كانت فيه الحكومة اليمنية منشغلة بجبهة جديدة للقضاء على تنظيم القاعدة، شهدت الأزمة الحوثية تطورا جيدا، عندما أعلن زعيم التمرد عبد الملك الحوثي، وقف القتال مع المملكة العربية السعودية، وانسحاب مقالتيه من جميع أراضيها، ورغم ما أثاره هذا الإعلان من تباينات في الرؤى والمواقف حول طبيعة هذا الإعلان، بدا الحوثيون وكأنهم قد نجحوا في إخراج المملكة العربية السعودية من الحلبة، قبل أن تحقق القوات اليمنية أي نتائج عسكرية في القضاء على التمرد، حيث أن الأوضاع على أرض الواقع كانت تبشر بحسم عسكري وشيك لصالح القوات اليمنية.
قبيل مبادرة السلام التي أعلنها الحوثيون، كان السعوديون قد أعلنوا انتصارهم، وتصفية أراضيهم من المتسللين الحوثيين، لكن هذا لا ينفي حاجتها الملحة إلى إنهاء الحرب، فعندما دخلت المملكة العربية السعودية على خط المواجهة المباشرة مع المتمردين الحوثيين، كان الخطاب السعودي الرسمي مفعما بالتحدي، والاستخفاف والتهديد بسحق المتسللين الحوثيين خلال ساعات لا تتعدى الثماني والأربعين ساعة، غير أن استمرار الحرب لثلاثة أشهر، ربما كان كفيلا باعتراف القوات السعودية ببأس الحوثيين وبسالتهم في القتال.
حيث أكد مساعد وزير الداخلية السعودي الأمير خالد بن سلطان مساء الجمعة قبل الماضي، بأن قوات بلاده واجهت أفرادا على مستوى عال من التدريب، وبأن المتمردين يمتلكون أسلحة متطورة لا تتوفر إلا لدى الجيوش النظامية، وقال في تصريحات بثها التلفزيون السعودي بأن مستوى التدريب والتخزين لدى المتسللين الحوثيين يدل على أن لهم أهدافا يعدون لها منذ سنوات، ويؤكد بأن هناك دولا أخرى (لم يسمها) دربتهم ودعمتهم وزودتهم بالسلاح.
وعقب هذه التصريحات السعودية، أعلن المكتب الإعلامي للمتمردين الحثويين مساء الأحد قبل الماضي بأن زعيم التمرد عبد الملك الحوثي سيعلن عن مبادرة هامة، وهو ما حصل بالفعل، عندما ظهر الحوثي، الاثنين الماضي، في تسجيل صوتي ليعلن عن مبادرة لإيقاف الحرب مع المملكة العربية السعودية، والانسحاب الكامل لمقاتليه من كل المواقع السعودية، وقال بأن هذه فرصة حقيقية للسلام، ومن المفترض أن يثمنها من وصفهم بالعقلاء في المملكة العربية السعودية.
اللهجة التي تحدث بها الحوثي ذات دلالات متعددة، فقد قال بالحرف الواحد، "نعلن قيامنا بالانسحاب الكامل من كل المواقع السعودية، ومن كل الأراضي التي تقع تحت سيطرة النظام السعودي، مؤكدين أن تقدمنا لتلك الأراضي والمواقع كان ضرورة لمواجهة عدوان انطلق منها".
واستدرك الحوثي قائلا: "وإذا استمر النظام السعودي في عدوانه بعد هذه المبادرة فإنه يكشف بذلك أن حربه ليست من أجل أراضيه وأنه يقوم بعملية غزو لمناطقنا"، مهددا بأنه وفي حال استمرت السعودية في عدوانها بعد هذه المبادرة بفتح جبهات جديدة ومتعددة وخوض حرب مفتوحة ضدها.
وبعد يوم من هذا العرض الذي أعلنه الحوثي، أعلن متحدث باسم وزارة الدفاع السعودية بأن بلاده تدرس عرض الهدنة لوقف القتال، في الوقت الذي أعلنت فيه جماعة الحوثي بأن مقاتليها أنهوا انسحابهم من الأراضي السعودية بناء على توجيهات زعيمهم عبد الملك الحوثي، وقال بيان صادر عن المكتب الإعلامي للحوثيين بأنه قد تم الانسحاب بشكل كامل من كل الأراضي والمواقع السعودية، أول نهار الاثنين الماضي.
وسرد البيان المواقع التي انسحب منها الحوثيون، وهي: "الصبَّة ـ بتول ـ العَرَّة ـ المُجَدَّعة ـ الجوف ـ أم قَمْع ـ الغارِشَة ـ جوف النُصِيبي ـ الخَقـَاقة ـ مركز الجابري ـ المَسَايل ـ قايم الصِّيَاب ـ أم دُحْوَه ـ أم شْرحِيل ـ قَرَقَاعي ـ رَعَشَة ـ العَقَم ـ أم رَزَمَه ـ دار النصر ـ قام كُعُوبْ ـ أم دُرْمِية ـ قايم سَاحَة ـ أم رَصَبَة ـ أم قِيْمَه ـ الصيبة ـ العتيمي ـ بيوت أحمد هادي ـ اُم بيسي". بالإضافة إل الجبال التالية "الفَرْجُوم ـ الحشكُول الأعلى ـ الحشكول الأسفل ـ فريضة ـ المُدَبغَّة ـ قُمَامَة ـ مَلَحَمَة ـ تُوِيْلَق ـ السَبَطاوي"، وأكد بأنه تم إيقاف الحرب، والانسحاب من ساحات جبل الدخان، والمدود المحاذيين للحدود اليمنية السعودية.
غير أن البيان تحدث عن قصف شنه الطيران السعودي في تسع غارات جوية على مناطق يمنية، مشيرا إلى أن الجيش السعودي قصف مديريات صعدة بأكثر من 540 صاروخا.
واللافت في هذا البيان أن هناك مواقع قال الحوثيون بأنهم قد انسحبوا منها رغم أنهم لم يسيطروا عليها أصلا، فقد كانت جميع عملياتهم القتالية مجرد عمليات تسلل، دون أن يسيطروا على أي من هذه المواقع، التي ظلت تحت سيطرة الجيش السعودي.
كما أن جميع هذه المواقع التي أعلنوا الانسحاب منها ليست مواقع سعودية، فبعضها يقع داخل الأراضي اليمنية، وبعضها على الشريط الحدودي، فعلى سبيل المثال جبل غافرة، يبعد عن الحدود السعودية بأكثر من 50 كيلو متراً، وهو جبل مجاور لجبل العير المحاذي لجبل مران، كما أن جبل تويلق يقع أيضا في الأراضي اليمنية، وهو جبل مجاور لجبال رازح، وجبل قمامة أيضا يقع بالقرب من حرض اليمنية.
بعد انسحاب الحوثيين فعليا من الأراضي السعودية، أعلن مساعد وزير الدفاع السعودي الأربعاء الماضي وقف بلاده القتال مع الحوثيين، وأكد اللواء خالد بن سلطان أن السعودية لن تتحاور مع أي طرف في اليمــن إلا مع الحكومــة. وذلك في نفي غير مباشر لتلك المعلومات التي تحدثت عن وساطة مسبقة أدت إلى إعلان المتمردين الحوثيين وقف القتال مع بلاده.
ولفت إلى أن "المتمردين الحوثيين طردوا من أراضي المملكة بالقوة"، معلناً عن احتجاز 1500 من الحوثيين والمتسللين. وأضاف "لقد حققنا نصراً مبيناً على الأعداء". وأشار إلى أن "أسلحة الحوثيين المضاهية للجيش تدعو للتساؤل".
هذا التطور الجديد في سياق الأزمة الحوثية أثار تباينات في الآراء حول طبيعة إعلان زعيم المتمردين الحوثيين إيقاف الحرب مع السعودية، والانسحاب الكامل لمقاتليه من أراضيها، ففيما اعتبرها البعض دليلا على هزيمة الحوثيين في حربهم مع السعودية، عدها آخرون تكتيكا ناجحا من قبل المتمردين في إدارة المعركة، ومؤشرا على حرصهم على الاحتفاظ بملف الحرب مع السعودية كملف خاص بهم، بحيث يمكنهم من خلاله إقامة مفاوضات معها بعيدا عن السلطات اليمنية.
لم يكن إعلان الحوثي متوقعا، وهو الأمر الذي أثار تكهنات بشأن احتمال وجود وساطة مسبقة بين الجانبين، غير أن تصريحات المسئولين السعوديين تؤكد عدم الرضوخ لأي وساطات أو الدخول في أي مفاوضات مباشرة مع الحوثيين.
البعض تفاءل بهذه الخطوة، وأعتبرها خطوة أولى لوقف الحرب السادسة التي دخلت شهرها السادس بين الحوثيين والسلطات اليمنية، حيث أن مسألة وقف الحرب اليمنية الحوثية، مرتبط بإيقافها مع المملكة أولا، لأنه من غير الممكن وقف الحرب بين الجيش اليمني والحوثيين في ظل حرب قائمة بينهم وبين المملكة، بينما اعتبرها البعض تكتيكا ناجحا من قبل الحوثيين.
غير أن توقيت إعلان الحوثي لمبادرته قبيل مؤتمر لندن الذي انعقد الأربعاء الماضي، دفع البعض إلى القول بأنه كان نتيجة تخوف الحوثي من أي قرارات قد تصدر ضده بشأن حربه مع السعودية.
كما أن المبادرة قد احتوت على رسالة مبطنة مفادها رغبة الحوثيين في بدء حوار مباشر مع المملكة العربية السعودية بعيدا عن الحكومة اليمنية، وكأنهم يسعون إلى أن تخسر صنعاء الدعم الذي كان يصلها من قبل السعودية، خصوصا وأن الحوثيين يهدفون من هذه المبادرة إلى الاحتفاظ بملف الحدود التي يسيطرون عليها كملف خاص بهم، بعيدا عن صنعاء، ويؤكد ذلك تجاهل الحوثي للحرب الدائرة بينه وبين صنعاء في مبادرته.
الموقف الرسمي للحكومة اليمنية من هذه الخطوة، جاء على لسان مصدر مسئول بوزارة الدفاع اليمنية، حيث اعتبر بأن ما أعلنه زعيم التمرد الحوثي بشأن وقف الحرب ضد المملكة ليس سوى محاولة جديدة للمراوغة والكذب والخداع.
وأوضح المصدر الذي لم يكشف عن اسمه في بيان له بأن الحوثي لم يعلن إنهاء مغامراته الفاشلة إلا من وهن وضعف وشعور بالهزيمة الكبيرة التي لحقت به، وبزمرته وذلك بعد أن تم دحرهم من كافة المواقع التي قاموا بالاعتداء عليها، وتلقيهم ضربات موجعة وساحقة سواء من جانب القوات السعودية، أو القوات اليمنية، التي تواصل زحفها وتقدمها باتجاه تطهير الأوكار التي تتواجد فيها العناصر الإرهابية سواء في محور الملاحيظ أو سفيان أو صعدة، حسب قوله.
وأكد المصدر بأن القوات المسلحة والأمن ستظل تواصل عملياتها ضد الحوثيين، حتى يعلنوا التزامهم بتنفيذ النقاط التي سبق للحكومة اليمنية أن أعلنتها كشروط لوقف العمليات العسكرية ضد الحوثيين، والبدء فعليا في تنفيذها، وبما يضمن إحلال السلام وعودة الأمن والسكينة العامة إلى محافظة صعدة.
وبعد أيام من إعلان الحوثي انسحابه من الأراضي السعودية، ظهر زعيم التمرد مجددا ليعلن، قبوله بالشروط الخمسة التي وضعتها الحكومة اليمنية من أجل إيقاف الحرب الدائرة في محافظتي صعدة وعمران، بشرط إيقاف "العدوان"، وقال الحوثي في تسجيل صوتي له بأنه يجدد وللمرة الرابعة ما قال بأنه أعلنه سلفا، وقبوله بالنقاط الخمس بعد إيقاف العدوان.
وكانت الحكومة اليمنية قد اشترطت على المتمردين الحوثيين ستة شروط لإيقاف الحرب، خمسة منها تتعلق بالوضع الداخلي، وهي: "الالتزام بوقف إطلاق النار وفتح الطرقات وإزالة الألغام والنزول من المرتفعات وإنهاء التمترس في المواقع وجوانب الطرق، والانسحاب من المديريات وعدم التدخل في شؤون السلطة المحلية، وإعادة المنهوبات من المعدات المدنية والعسكرية، وإطلاق المحتجزين لديها من المدنيين والعسكريين، والالتزام بالدستور والنظام والقانون، والالتزام بعدم الاعتداء على أراضي المملكة العربية السعودية".