|
أحمد مهدي سالم
الذكرى.. وقفة تأمل، ولحظة ترقب، ومحطة تقييم، واستراحة لفيض المشاعر، وتهيئة الانطلاق إلى آفاق جديدة.
ذكرى الاحتفالات.. تجدد في النفوس فرحاً، وتنعش قلوباً صدئة، غلبها الروتين، تعمل تحريكاً لرواكد النفس، فيظهر النشاط، ويغادر التواكل، وتحضر شعلة الحب والعطاء، ويتأكسد الأوكسجين الفاسد الذي تطرده الرئة، ويدخلها هواء نقي نظيف، وتتحول المجموعات العاملة إلى خلايا نحل، عمل مستمر، ونشاط دؤوب.
زنجبار انقشعت عنها سحب التشاؤم، وأشرقت شمس الضحى، عادت إلى المدينة، الروح الغائبة والفرحة الهاربة، وشموخ القوة الضاربة.
تزامن ذلك التحول الجديد مع احتفالات بهيجة يشهدها أهم وأرفع وأعلى منبر علمي في أبين.. كلية التربية بزنجبار والتي تحتفل بذكرى تأسيسها الثلاثين، والذكرى الأربعين لتأسيس جامعة عدن ببرنامج فعاليات شامل حوى كل فن.
أقصد كل المجالات الإبداعية في جوانب المعارض الفنية والتوعية البيئية والبطولات الرياضية، والمسابقات الفكرية، والنشاطات المسرحية والمجلات الحائطية، والمحاضرات الثقافية والسياسية، واستضافة عدد من قادة الفكر والتنوير من خارج المحافظة لإلقاء محاضرات والمشاركة في ندوات تركزت محاورها في حقوق الطالب الجامعي وواجباته، الوسطية ورفض التطرف ودعاوى الانفصال.
الولاء للوطن والحفاظ على وحدته، مناقشة مصفوفة النمو والتطور بالمحافظة على طريق التنمية الشاملة والمستدامة، والحوار الوطني ومواجهة التحديات، وكذا الحرب على الإرهاب.. واجب وطني، ودفاع مشروع عن مبادئ الوطن واستقلاله.
ومن خلال نظرة سريعة على عناوين المحاور للندوات التي ستستمر لما يقارب الشهرين.. تلمس قوة الأفكار، والحرص الشديد على غرس مفهوم الولاء الوطني، وترسيخ التربية الوطنية في النفوس بعد أن ظلت ثقافة الكراهية تنتشر بين الناس انتشار النار في الهشيم.
والمرحلة الحالية، بقدر ما هي بحاجة إلى تعزيز المؤسسات الدستورية والشرعية بقدر ما تحتاج إلى حملات توعوية مكثفة في أوساط شرائح المجتمع لإزالة ما علق بالأذهان من شوائب انفصالية، وأفكار تشطيرية.
وقد ارتبط برنامج الكلية الاحتفالي بعدة برامج للنزول إلى مدارس التعليم الأساسي والثانوي بعد التنسيق مع قيادة التربية والتعليم في المحافظة، وقد بدأت الفعاليات في تاريخ 15/3/2010، ومن المقرر أن تنتهي أو تختتم في 29/4/2010 أي ما يقارب من شهرين.
كان الأخ المحافظ أحمد بن أحمد الميسري قد افتتح الفعاليات بمعرض التوعية البيئية، وحضر الحفل الصباحي التكريمي في قاعة الرئيس لأوائل الطلاب والعمداء السابقين، ونشطاء الموظفين، وفي عصرية اليوم نفسه استضاف المحافظ في منزله معلمي الكلية، وعلى رأسهم العميد القديم الجديد صالح حيدره محسن الذي ارتبط اسمه بتشجيع النشاطات منذ منتصف التسعينيات، وهو الكادر نفسه الذي يرأس اللجنة التحضيرية لجامعة أبين.
الرسالة وصلت يا محافظ!
حديث المحافظ في صباح اليوم ومسائه كان صادقاً وصريحاً وواضحاً، تأكيد قوي على ثوابت الوحدة، واحترام هيبة القانون، وترسيخ مفهوم الإخلاص للوطن والذود عن وحدته، والأهم حالياً، الدعوة إلى تفاعل أكبر مع الحدث الأبرز خليجي 20، وكيف أن الدولة متسامحة، وعندما ظهرت التجاوزات والتطاولت حضرت بقوة، فاختفى خفافيش الظلام، وكرر ذكر مثل شعبي ساخر يقول: إن الدولة تستطيع أن تسبق الضبي بجمل مقيد، وأكد على تسارع الخطوات في إنشاء جامعة أبين، والبدء الفعلي بإعادة تأهيل بعض مرافق الكلية بما يتناسب والتطور التكنولوجي والكثافة الطلابية المتزايدة.
ولم ينس أن يرسل إشارات "حساسة" إلى بعض المعلمين الذين اتهموا بنشر أفكار حراكية مكروهة بين أوساط طلابهم، وقال بالنص: "إذا نزل دكتور إلى مستوى تحريض الطلاب ضد عامل ورشة من إب أو حجة.. الدكتوراه حقه ما تسوى الجزمة" ورد على جميع الأسئلة والاستفسارات، مؤكداً ضرورة التفاعل مع الحدث الرياضي.
ولكي يقرن القول بالفعل حضر إلى الكلية في صباح اليوم التالي ومعه مدراء عموم الكهرباء والمياه والصرف الصحي والاتصالات والأشغال العامة، وزار القاعات والمعامل ووجه بسرعة إنجاز البنى التحتية للكلية من الدعم الإضافي، وأحدثت تلك الإجراءات السريعة ارتياحاً بالغاً لدى منتسبي الكلية وطلابها وكل المرتبطين بذلك الصرح العلمي المنتصب في وسط زنجبار الذي عانى ما عانى.
(لقطات)
* سخر البعض من تكريم الأوائل من الطلاب والعمداء السابقين بشهادات تقديرية فقط، حاف جاف، على حد قولهم، ولو علموا أن لا توجد مخصصات لعذروا العمادة.
* لقرب مقر الكلية من منزل الشيخ طارق كان الذعر يتجول في ساحاتها، وصرخات وهدير الحراكيين تشتت انتباه المحاضرين وطلبتهم وطالباتهم، واليوم بعد سيادة الهدوء ازدانت الوجوه بالبشرى ورقصت الابتسامات فوق الشفاه.. باختصار دبت الحركة بعد الجمود.
* تركيز أكثر للمحافظ على إشراك الكلية فيما يتعلق بالجوانب الثقافية والبيئية لخليجي 20، وإدخالهم في لجان الإشراف مع مكتبي الثقافة والرياضة على أن تكون لاقتراحات وآراء أساتذة الكلية اليد الطولى في تبني الأفكار والرؤى وتنفيذها.
* بعد أن زال الوهم وطار السراب ومعه طيور الفتنة والخراب.. أسرع المحافظ الميسري بتحريك ما كان متوقفاً، وتنفيذ ما كان مخططاً، وأنهض طاقات لم تكن موجودة في الحسبان، الرجل في سباق مع الزمن، ولديه أفكار شابة متجددة، ورؤى واسعة لو لم يكبسوا على أنفاسه في الفترة السابقة فعطلوا لغة الكلام وعجلة المشاريع.
* أعجب الكثيرون بمعرض التوعية البيئية الذي أشرف عليه الدكتور العراقي محمد البريهي، وطاقم من الطلبة على رأسهم الطالب ماجد أحمد العولقي.
* في لحظات التكريم.. دوت قاعة الرئيس بالتصفيق المتواصل الذي تواصل عندما ذكر اسم العميد السابق للكلية البروفيسور محمد عبدالله الفقيرية بعكس غيره، فعلاً.. الأعمال هي التي تبقى، وتتكلم أيضاً.
* وكلمة حق أخرى.. لأول مرة يحصل تكريم للعمداء السابقين، ولأول مرة يقر للكلية أسبوع ثقافي أطلق عليه الأسبوع الثقافي الأول، وهو غير أسبوع الطالب الجامعي، ولأول مرة.. تنال الكلية اهتماماً فعلياً سريعاً من المحافظ، ولأول مرة في تاريخها تحتفل بذكرى التأسيس ببرنامج حافل بالنشطات المختلفة.
آخر الكلام
وما قلت إلا الحق فيك ولم تزل *** على منهج من سنة المجد لاحِبِ (*"لاحب = واضح)
-ابن الرومي- |