taraz500@yahoo.com

هل فعلاً هدأت حرب صعدة؟؟ هل خرست المدافع والفجائع وأصوات الدمار؟؟ هل توقف نزيف السنوات الراعفة وطعنات البلد المثخن في مدينة سلامٍ اختطفتها حرب السنوات العجاف؟؟ هل حقاً آن أوان صعدة كي تدفن موتها وتحرق رداءها الأسود وتختال بفستان زفافها وتزغرد للنهار؟؟ هل بات من حقها أن تعيش حاضرها الطبيعي، وتتأهب لأعراس المستقبل، وتستعيد زمانها ورُمّانها وعنبها وبُنها، وتخصب خيرات واديها من جديد؟
هل باتت مسالكها خالية من ألغام الموت ودوامة الجحيم والجحود والجنون؟ هل غدت الطريق إليها ممهدةً فعلاً لنمر بقوافل سلامنا ورحلاتنا واشتياقاتنا لأسوارها العريقة وحاراتها العتيقة؟؟ هل بدّدت غيمة حزنها وهيأت أبوابها لاحتضان ورش الإعمار والبناء تداوي جنباتها المتورمة وترمم جدرانها المشققة وقيعانها الملطخة بحمرة الدم والدموع؟؟ هل حقاً شفت الحرب غليلها واستنفدت كل حقدها وشبعت هتكاً وانتهاكاً واستسلمت للحكماء كي يخمدوا أنفاسها للأبد؟ هل سلمت ملفها لقبضة التاريخ وذمته العادلة ليحكم حكمه بعد حين؟؟ هل جنح كل محرقيها- تبت أيديهم- للسلم؟؟
تساؤلات مريرة أجهدت الناس منذ أعلن الطرفان وقف الحرب أمس الأول، وقذفت بهم في متاهة التوقعات والاحتمالات الملبدة بالغيوم، ما بين مصدقٍ لما سرى من اتفاق، ومتوقعٍ عودتها كعادتها، ومترقبٍ لا يدري هل يصدّقه أم يكذّبه؟؟
لماذا أصبحنا هكذا؟؟ لماذا لم يعد معظمنا يصدق شيئاً؟؟
هل لأن الكثيرين فروا من ميدان التوسط.. وغيرهم رفض تكرار التدخل لفض الاشتباك.. وآخرين سحبوا- بل قل سحقوا- مبادراتهم الوفاقية.. وسابقين لعنوا اليوم الذي دفعهم لعقد هدنة بين الطرفين ، بعد أن اسودت وجوههم من أثر الخذلان؟؟ لماذا؟؟
هل لأن سنوات مريرة انسلخت من أيدينا ونحن بين كرٍ وفر ، قتلٍ وأسرٍ وخطفٍ ، ووساطاتٍ هاربة؟.. بين مكابرات وإشاعات ، تخرصات وتحليلات، وهرطقة إعلام وحرب كلام؟.. بين استنزاف إمكانات، وامتصاص دماء، وتناقضات ولاء؟.. بين هدنة وخرق ، عهدٍ ونكث ، أملٍ وألم؟.. بين أوهام انتصار إلهي، ومغانم تشريد ، وغنائم سلاح، وتجارة حربٍ ومزاداتِ موتٍ، وسرقةِ أحلام!!
ألِهذا صرنا نسرف في تشاؤمنا حد الشطط، وندمن التناقض في توقعاتنا حتى الجنون ، ونستبعد احتمالات الهدوء وفرص السلم حتى في أقرب الأمور إلى الحقيقة!! لنصحو على حصيلة موت وخراب ديار، سمعة شوهاء تلوكها ألسن العالم ، قلقٌ في الداخل والخارج، زجٌّ لجيران في لعبةٍ خاسرة ، أكوامٌ من اللحم البشري على قارعة العراء ومخيمات اللجوء ، أنهار من دموع اليتامى والثكالى، وأطنانٌ من الحزن وعذابات الضمير جاثمة على صدورنا وأنفاسنا ليل نهار!!
لم يشفع لنا دعاء، أو يُسمع رجاء.. كلّت أيادي التضرع من التوسلات أن أوقفوا الحرب ، ألقوا السلاح ، دعوا ما تبقى من الحكمة اليمانية يضمد الجراح ويرمم الشروخ ويبسط السلام، صرخنا، جأرنا بالشكوى، ولا حياة لمن...!! حتى مللناها دوامة بكاء ، وحرباً لا رابح فيها سوى الشيطان، ولا خاسر غير الوطن ، ولا منكسر إلا الشعب!!
واليوم.. ماذا تبقى في الجعبة يا سادة الحرب وقادتها؟؟ ما الذي ينتظرنا وراء الأكمات المفخخة؟ ماذا نتوقع من محاولات وأدٍ ، وتصفيات ثأرٍ ، وحسابات ربحٍ وخسارة؟؟ كم تبقى من الضحايا والأشلاء لنواصل إحصاءها؟؟ كم بقي لدينا من الوقت نضيعه في حرق المراحل والتلهي بالمغامرات والمكابرات؟؟.. ومتى- أعزكم الله- تتوقف صناعة أحزان اليمن السعيد؟؟