|
أحمد مهدي سالم
موقف شجاع لامرأة، صادم للقيم الذكورية.. فتاة شابة قامت به بشموخ الأنثى ظهر يوم الخميس الماضي، عندما اعترض الحافلة التي كانت تقلنا شباب وفتية بوضع حواجز من سعف النخيل والأحجار وقطع الإسمنت والخشب في طريقنا، وهم يهتفون "ثورة ثورة يا جنوب"، وأمام فم أحدهم ميكرفون يهزج بصوت عال فيردد بعده الشعار بحماس شبوب، وأصدءا قوية.
كنا على عجلة من أمرنا، وتوقف السائق، أو بالأصح أُوقف، ولم نستطع أن نفعل شيئاً، فنزلت من الباص الفتاة غاضبة ساخرة تتمم بكلمات تحمل ضيقاً وهزءاً، وأبعدت سعف النخيل وجزر الأحجار الصغيرة وأعواد الأخشاب، وهي تقول لهم متهكمة: "ثورة ثورة يا صَيَع.. ما بانظلي ندور من الدائري بسببكم"، وفي أثناء عملها الذي أذهلنا قلت لمن حولي: ما أشجعها وما أجبننا".. ورد آخر بلا مبالاة: "المسألة مش كذا.. لكونها امرأة لم يعترضوها" فأجبته "مش معك، هذا موقف شجاع لم يعمله شخص ولا امرأة أخرى، ونحن يومياً نمر من نفس المكان"، وبعد أن أزاحت الحواجز طلعت الحافلة وأشارت للسائق أن يتحرك فانطلق، كانت هي الزعيمة، وكنا نحن الأتباع.. إشارتها بالحركة فيها كبرياء وشموخ بعكس الفتاة الطروب التي أشارت برمش العين خيفة أهلها إشارة محزون، ولم تتكلم بحسب ما غنانا محمد مرشد ناجي.
كنا عالقين في وسط الشارع الضيق القريب من منزل الشيخ طارق، والمؤدي إلى الفرزة التي تقع وسط مدينة زنجبار، وسيصعب على السائق العودة إلى الخلف، ووراءه عدد من الحافلات والسيارات الأخرى، ولولا جرأتها على فتح الخط لتأخرنا كثيراً، كنت في المقعد الخلفي وهي قاعدة في المقعد الثاني خلف السائق مباشرة.
كان الصمت سائداً لأن لغة الكلام تعطلت، وتمنيت لو كنت جالساً بجنبها أو قريباً منها لأشكرها وأسألها عن اسمها وعملها، ولأقدم لها تحايا التقدير والإعجاب نيابة عن الجميع الجبان، وأولهم أنا، وهيأت نفسي لذلك على أساس الوصول إلى آخر نقطة في الفرزة، وأتحدث معها، غير أنها نزلت في المنعطف قبل الأخير على مقربة من وسط زنجبار، ورحنا نتأملها ونقول: ما شاء الله.. جمعت الجمال والجرأة، والكلام الحالي النغمات وإن علت نبرته الحادة، والحس الوطني وشجاعة الموقف، وهذه كلها صعب أن تجتمع في امرأة.
مواقف مثل هذه في أوضاع انكسار وضعف وهوان وتعطيلات كالتي نعيشها بشكل شبه يومي.. مواقف يجب أن تحفز، فالصوت الواحد يصبح صوتين ثم يزداد العدد، وتؤثر القلة الواعية في الكثرة المشحونة بثقافة الحقد والكراهية شيئاً فشيئاً، أما السكوت المخزي فيشجع على مزيد من التمادي، وقد قيل: "رجل مع رجل عصبة، وحجر فوق حجر جدار"، والموقف الناصح الزاجر بتهذيب يفعل فعله، ويؤتي أكله بحيث لا نسمح للأطفال في الشوارع بأن يفرضوا علينا آراءهم وقناعاتهم الخاطئة، وتعطيلاتهم المزعجة لحركة السير.
وغدت ظواهر إغلاق الشوارع والطرقات وإحراق الإطارات والتزاحم في دائر زنجبار شيئاً عادياً، وطابعاً يومياً وشكلاً مألوفاً، وتسبب ذلك الخروج عن النص في حصول مضايقات كثيرة للركاب خصوصاً في الظهيرة، واضطرار السائقين إلى أن يسلكوا أكثر من طريق للخروج من زنجبار بما يشبه البحث عن طريق رأس الرجاء الصالح، وأنصح كل سائق بأن تكون لديه خارطة طريق لمعرفة أسهل وأسرع وسائل ووجهات الخروج عندما تكون شوارع زنجبار مغلقة ولا غضاضة أن يجربوا اصطحاب بساكت وقراطيس ألبان لمنحها بعضهم على أمل أن يفتحوا لهم الخط، مع التحلي باللباقة والكياسة والتأدب، وإلا فرشوهم أرضاً، ولن ينفعهم أحد لا المواطنون ولا الجنود الفارون، ولا القادة المختبئون في المعسكرات، ولا القياديون الملازمون ديوان المحافظة، والمنطقة الخضراء، والذين لا يستطيعون الخروج منها إلى وسط زنجبار، وأخشى أنه سيأتي وقت لا يسمح فيه لأي مسؤول مهما كبرت مكانته وعلا شأنه أن يدخل زنجبار إلا بعد حصوله على إذن أو تصريح مرور معمد من الشيخ طارق.. ومع كل يوم يمر تتقلص صلاحيات الدولة، وتتقوى قبضة الفضلي على زنجبار وأبين عموماً، وأتحدى من ينكر هذا القول ليس على طريقة الشاعر القائل:
وننكر إن شئنا على الناس قولهم *** ولا ينكرون القول حين نقول
وإنما على طريقة الأمر الواقع، والمعتاد اليومي ما لم تحصل مفاجآت، أو حلحلة في الأوضاع، ويا زعيمة جري السنبوق.
وعودة إلى بداية المقال.. نتمنى أن قرأت سطورنا تلك المرأة المجهولة وغير المجهولة أن تتواصل معي عبر تلفون الصحيفة، فمثلها يجب أن يُكّرم كما كُرّمت إحدى المعلمات في مدرسة الخنساء للبنات في جعار عندما تصدت لعصابة كانت تريد سرقة مرتبات المدرسة، وأفشت خطتها وأرغمتها على الفرار.
(قبل الختام)
دعوني أغامر وأقول: إذا عطست زنجبار أصيبت باقي مدن أبين بالزكام، أما إذا هاجت ستصاب المدن الأخرى بفيروس أنفلونزا الخنازير.
وإلى القيادة وأصحاب السعادة: أنقذوا زنجبار قبل فوات الأوان لكونها المرتكز والوسط والمحور وواسطة العقد الثمين الذي إذا سقطت واسطته تناثرت بعدها حبات اللؤلؤ، ولا تدعوا مخالب الموت والدمار والخراب تدمرها، وأتذكر الرثاء الجميل للشاعر ابن الرومي عند وفاة ابنه الأوسط، وفيه يقول متحسراً:
تخير حمام الموت أوسط صبيتي *** فلله كيف اختار واسطة العقد
(آخر الكلام)
تطلعت في يومي رخاء وشدة *** وناديت في الأحياء هل من مساعد
فلم أر فيما ساءني غير شامت *** ولم أر فيما سرني غير حاسد
-الأرجاني- |