|
الكتابة عليها تقليعة جوفاء وتفريغ كبت
الغد- هايل علي المذابي
يرى البعض أن الكتابة على الجدران ظاهرة عالمية تشبه في تفاصيلها الصراخ في الصحراء أو التحطيم والتكسير لإفراغ الكبت وشحنات الضيق والتعبير عن القلق المستعر بأعماق المرء، كما أنها تأخذ شكلاً آخر لدى البعض من خلال أنها وسيلة دعائية وإعلانية لسلعة أو لهيئة أو لإيصال رسالة حقد طبقي لدى أصحاب الحظ البائس أو تحذير من شيء كرمي النفايات أو وقوف السيارات أو غيرها مما نخجل من الإفصاح عنه.
كما نجدها أحياناً –والحديث عما نصادفه لدينا في اليمن وجدرانها- تأخذ شكلاً من أشكال إثبات الوجود خصوصاً الذين هم في سن المراهقة وعاشقي استعراض العضلات، ربما لتعرف الأجيال اللاحقة أن فلاناً كان (سمخ) وأن كل من رشح نفسه في الانتخابات كان رجل الوطنية والنزاهة والأخلاق والشرف، و... و... و... وأشياء كثيرة نترك الحديث عنها لآخرين التقتهم "الغد" وحاولنا من خلالهم الخلوص إلى أسباب وتفسيرات بشأن هذه الظاهرة وخرجنا بالتحقيق الآتي:
تعبير عن وجود كامل
يقول سيف الشرجبي-خريج جامعي- وهو أول من طرحنا عليه السؤال أملاً في أن نمجد له تفسيراً: إنها ظاهرة عجيبة، فالكتابة على الجدران هي جانب يقصده البعض لإفراغ ما يجول في صدره لعجزه عن التعبير عن وجوده الكامل، إما في البيت أو الشارع، فهي شيء يشبه عملية التفريغ العاطفي ومحاولات لإثبات وجود مفقود، إذ يأتي الشخص ويلطخ هذا الجدار وذاك البناء بكثير من العبارات التي هي في غالبها لا تعطي معاني واضحة أو صادقة، وعندما يفرغ ينظر بعين المنجز إلى إنجازاته العظيمة التي لن يستطيع شخص ما أن يتجاوزها دون أن ينظر إليها، وللحقيقة أقول أنني في بعض الأحيان أشعر برغبة في ممارسة هذا العمل للشعور بالراحة، وهو ما يشبه كسر الزجاج مثلاً والصراخ بدون مسبب، فهي من الأمور التي تستطيع تهدئة النفوس، وقد علمت أن بعضاً من الدول وضعت جدراناً خاصة لأصحاب هذه الهواية لممارسة هوايتهم بعيداً عن تشويه جدران لا تنتمي إليهم بصلة.
وسيلة مناسبة لتوصيل الآراء
يقول الأخ نبيل صلاح-خريج جامعي-: أكيد أنها ظاهرة سيئة لا تمت بصلة للمثقفين من الناس والواعين، وفي الجامعات مع الأسف يعتبرها الكثير من الطلاب وسيلة مناسبة لتوصيل الآراء للجانب الآخر "البنات"، بالنسبة للجامعيات، وأحياناً تكون وسيلة للتعبير عما يدور في النفس من مآسي الزمان وتكون ببعض الرموز والأسماء المستعارة.. لماذا؟ هكذا.. وهذا هو السبب الرئيسي وراءها.
ظاهرة تستهويني!!
خالدة النسيري-أديبة وكاتبة- لها وجهة نظر خاصة إذ تقول: سأتحدث عن هذه الظاهرة التي أعتبرها نوعاً من الهوايات التي هي لدى الكثير نوع من الشغب وسلوك غير حضاري، لكن سأنظر إليها من ناحية أخرى وسأسميها "البوح المختلف"، إلا أن الإنسان بطبيعته ينشر ما بداخله بأسلوبه الخاص ويحتاج إلى التعبير المختلف بعيداً عن الأساليب التقليدية، وأنا يستهويني ما يكتب على الجدران وخاصة في الجامعة ويستدعيني الفضول لذلك، وقد تكون هذه العبارات المكتوبة "نكتة طريفة، بيت شعر" وكأني أتجول في مدينة العبارات المختلفة والمتنوعة، أما في الشوارع العامة وما يخط على جدرانها فأظن أنه ما يزيد ويفيض من الشعور إلى الخارج فينحت على الجدار ذكريات ورسومات برغم أن هذه الأشياء تشوه وجه المدينة وهذا الرأي السائد، إلا أني أحبها وأعتز بهذا الرأي.
حلاق الوالي!!
أسامة الذاري كاتب وشاعر، يعلق على الظاهرة ويقول: أعتقد أنها نوع من البحث عن منافذ للبوح بغض النظر عما إذا كان هذا البوح بألفاظ سيئة أو غيرها، وذلك نتيجة للكبت الذي يعانيه الشخص، كما أن الاعتقاد السائد بانعدام الحريات ساهم في استفحال هذه الظاهرة، فالكتابة على الجدران أصبحت ثقافة تتخذ أنواعاً وأساليب عدة، والشيء اللافت في هذه الظاهرة الكتابة على الجدران الخاصة بدورات المياه، وإذا نظرنا في مجمل هذه العبارات نجد أنها في مجملها تلخص حكاية "حلاق الوالي".
انعكاس ثقافي وحضاري
أما يعقوب عثمان –ماجستير علم نفس- فينظر إلى هذه الظاهرة من زاوية خاصة فيقول: إن جوانب الكتابة على الجدران السلبية أكثر من الإيجابية، ثم يعدد السلبية بقوله: إنها تعكس مستوى الشخص الحضاري، وإذا كان الكاتب على الجدران من الطبقة المتعلمة أو الجامعية فهي تعكس مستوى ثقافته ومدى اهتمامه أو المحافظة على نظافة الجدران وخاصة الحكومية ومن الأمثلة المطروحة "الجدران دفتر المجانين".
أما الجوانب الإيجابية: إن الشخص قد يعبر من خلالها عن مشاعره أو يعبر من خلالها عن انطوائه عن رفاقه، ونلاحظ أن بعض القراء والمحافظين يقدمون نصائح للذين يكتبون على الجدران مثل: "الرجاء عدم الكتابة على الجدار" وهو يكتب على الجدران، فما رأيكم بهذه النصيحة؟!
أذواق هابطة!!
الدكتور أحمد صالح غازي أكاديمي وباحث في اللغة، يتحدث عن هذه الظاهرة ويقول: إن الكتابة على الجدران أمر لا يمكن حصره في نمط محدد من أنماط التعبير، فهي حيناً حركة عبثية لا غير كتلك الكتابات التي يقوم بها عادة الأطفال والمراهقون، وحيناً آخر تكون عملاً مسؤولاً يقوم به أشخاص أو هيئات تخدم أهدافاً وقضايا بعينها، وهناك نوع يخرج عن النمطين السابقين ويخرج عن كونه تعبيراً، لأنه يوضع في غير موضعه على نحو هستيري أو حاقد أو يصدر عن ذوق هابط تبرز أهم ملامحه في تشويه بعض الجماليات التي لم يستطع أشخاص تذوقها، فعملوا على تغيير وتشويه مظاهرها الجمالية، أو أنهم لم يتربوا على الإحساس بتلك القيم، فخدشوها في كل ملمح وقعت أعينهم عليه حتى لم تسلم منهم جدران دورات المياه والحمامات وكراسي الباصات، فكيف بغيرها.. وهذا النط مَرَضي يحتاج صاحبه إلى مراجعة الطبيب النفسي فعلاً، فكيف لا يكون مريضاً من يسطر ذكرياته بصورة هستيرية على جدران الحمامات وكراسي الباصات وأسوار البيوت والمؤسسات العامة والخاصة؟!
شعور بالنقص وحب الظهور
وعن هذه الظاهرة تفصل عبير الصنعاني أخصائية نفسية، المسألة وتقول: هي ظاهرة تعبر عن الشعور بالنقص وحب الظهور، وقد تكون تعبيراً عن مشاعر مكبوتة، والثانية اجتماعية، فهذه الظاهرة سيئة، تسود بشكل واسع فئة الأطفال وتسوء بشكل أكبر عندما يستخدمها الكبار وخاصة فئة المثقفين، ونلحظها في الجامعات على جدران القاعات وعلى الطاولات، كتابات شعرية أو ساخرة من الآخرين أو رسوم كاريكاتورية أو غيرها، كما يدل على سوء علاقة الفرد مع الآخرين، وكذلك إذا كان يحس بتشوه في ملامحه أو شخصيته فهو يسقط ما بداخله من خلال الكتابة على الجدران.
ثم تتساءل: لماذا نلاحظ بعض الأشخاص يكتبون على جدران الحمامات عبارات مثل "ذكريات فلان الفلاني" أو "رقم الموبايل"؟ كل هذه ما هي إلا محاولة إثبات وجود وتحقيق ذات مما يدل على نقص داخلي ومحاولة إفراغه على الأشياء من حوله.
ظاهرة عالمية
جميل صالح ماجستير دراسات سكانية -أخصائي اجتماعي- يتحدث حول هذا الموضوع قائلاً: إن الكتابة على الجدران ظاهرة غير حميدة وإن دلت على شيء فإنما تدل على عدم وعي الفرد، وينبغي توعية من يقوم بها.. ويرى جميل أنها ظاهرة عالمية.. وأن أهم أسبابها من وجهة نظره يقول:
- التفريغ العاطفي بالنسبة للفرد الذي يكتب اسمه على الجدران لأنه مهمش.
- الإعلان عن سلعة أو حزب سياسي أو مرشح أو رمز انتخابي.
- سلوكيات نفسية تدفع صاحبها لإفراغ شيئاً ما داخله.
- أخيراً عدم الوعي. |